الحلبي

506

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

فقد قال ابن إسحاق « فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين ، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا ، فقص اللّه تعالى خبرهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم » وبهذا يعلم ما في سفر السعادة . ولما وصل صلى اللّه عليه وسلم في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه ، وكذا يعلم ما في المواهب من قوله « ولما انصرف صلى اللّه عليه وسلم عن أهل الطائف ونزل نخلة صرف إليه سبعة من جن نصيبين » إلى أن قال : وفي الصحيح أن الذي آذنه صلى اللّه عليه وسلم بالجن ليلة الجن شجرة ، وأنهم سألوه الزاد ، فقال : كل عظم إلى آخره ؛ لأن سؤالهم له صلى اللّه عليه وسلم الزاد فرع اجتماعهم ، وقد ذكر هو أنهم لم يؤذنه صلى اللّه عليه وسلم بهم إلا شجرة هناك . وعلى جواز أن الشجرة آذنته بهم قبل انصرافهم أي أعلمته بوجودهم ، وأن ذلك كان سببا لاجتماعهم به صلى اللّه عليه وسلم ، وأن دعوى ذلك لا ينافي أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يشعر باجتماعهم للقرآن إلا مما نزل عليه من القرآن ، فسؤالهم له صلى اللّه عليه وسلم الزاد كان في قصة أخرى غير هاتين القصتين كانت بمكة سيأتي الكلام عليها . ثم رأيت عن ابن جرير أنه تبين من الأحاديث أن الجن سمعوا قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم بنخلة وأسلموا ، فأرسلهم صلى اللّه عليه وسلم إلى قومهم منذرين ، إذ لا جائز أن يكون ذلك في أول البعث ، لمخالفته لما تقدم عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما . وحينئذ يؤيد الاحتمال الثاني الذي ذكرناه من أنه يجوز أنهم اجتمعوا به صلى اللّه عليه وسلم بعد أن آذنته بهم الشجرة ، وقوله فأرسلهم إلى قومهم منذرين لم أقف في شيء من الروايات على ما هو صريح في ذلك : أي أن إرساله لهم كان من نخلة عند رجوعه من الطائف ، ولعل قائله فهم ذلك من قوله تعالى وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : الآية 29 ] . وغاية ما رأيت أن ابن جرير والطبراني رويا عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « أن الجن الذين اجتمعوا به صلى اللّه عليه وسلم ببطن نخلة كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين ، فجعلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رسلا إلى قومهم » وهذا ليس صريحا في أنه صلى اللّه عليه وسلم كان عند رجوعه من الطائف . لا يقال : يعني ذلك إنكار ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما اجتماعه صلى اللّه عليه وسلم بالجن المرة الأولى التي كانت عند البعث ، لاحتمال أنه صلى اللّه عليه وسلم كان في بطن نخلة في مرة أخرى ثالثة . ثم رأيت في النور ما يخالف ما تقدم عن ابن عباس من قوله « إنه لم يجتمع صلى اللّه عليه وسلم بالجن حين خروجه إلى سوق عكاظ » حيث قال : الذي في الصحيح وغيره أن اجتمع بهم ، وهو خارج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه أصحابه فليتأمل . قال : وذكر « أنه صلى اللّه عليه وسلم أقام بنخلة أياما بعد أن أقام بالطائف عشرة أيام وشهرا لا